في هذه اللحظة، بينما تقرأ هذه السطور، يوجد أربعة بشر يحلّقون حول القمر على بُعد نحو 400.000 كيلومتر من الأرض، ويُسجَّل السادس من أبريل 2026 يوماً تُعاد فيه كتابة تاريخ الإنسانية في الفضاء.
- الإطلاق: 1 أبريل 2026، الساعة 22:35 UTC، من مركز كينيدي الفضائي
- الطاقم: ريد وايزمان، فيكتور غلوفر، كريستينا كوك، جيريمي هانسن
- إجمالي الرحلة: 685.000 ميل (~1.100.000 كم)، 10 أيام
- أقرب مسافة من القمر: 4.070 ميلاً (6.550 كم)
- أبعد نقطة عن الأرض: 252.760 ميلاً، وهو رقم قياسي في تاريخ البشرية
- نافذة التحليق القمري: 6 أبريل 2026، الساعة 14:45 بتوقيت شرق الولايات المتحدة، بامتداد 6 ساعات
- سرعة الدخول إلى الغلاف الجوي: ~40.000 كم/ساعة
لماذا ابتعدت البشرية عن القمر طوال 53 عاماً بعد أبولو 17؟
في ديسمبر 1972، عاد طاقم أبوللو 17 من القمر، ومنذ ذلك اليوم لم يتجاوز أي إنسان المدار الأرضي المنخفض. مرّت ثلاثة وخمسون عاماً شهد العالم خلالها اختراع الإنترنت، واجتياح الهواتف الذكية للحياة اليومية، وصعود الذكاء الاصطناعي، غير أنّ الإنسانية لم تطأ القمر مرّة أخرى.
لماذا كل هذا الانتظار؟ مع انتهاء الحرب الباردة نضب الوقود السياسي لسباق الفضاء، فخُفِّضت ميزانيات ناسا، وأصبح المدار الأرضي المنخفض ومحطة الفضاء الدولية هما الأولوية. ظلّ القمر منسيّاً حتى أعادت شركاتٌ خاصة، في مقدّمتها SpaceX، إلى جانب برنامج الفضاء الصيني الطموح، إشعال السباق من جديد ودفعتْ الولايات المتحدة إلى استئنافه.
أي «أوائل» تاريخية يمثلها طاقم أرتيميس II؟
هل سألت نفسك يوماً لماذا تبدو هذه المهمة مختلفة قبل أن تنطلق أصلاً؟ الإجابة في تركيبة الطاقم ذاتها. كان رواد أبوللو الاثنا عشر جميعهم أمريكيين وذكوراً، أمّا أرتيميس II فيكسر هذا القالب بأربعة مقاعد تحمل أربع روايات مختلفة:
- ريد وايزمان (قائد المهمة): رائد فضاء ناسا الذي يقود المهمة بخبرة المحطة الدولية
- فيكتور غلوفر (الطيار): أول رائد فضاء أسود يتجاوز المدار الأرضي المنخفض في تاريخ البشرية
- كريستينا كوك: أول امرأة تحلّق حول القمر، وصاحبة الرقم القياسي السابق لأطول رحلة فضائية مفردة لامرأة
- جيريمي هانسن: أول رائد فضاء غير أمريكي يدور حول القمر، ممثلاً وكالة الفضاء الكندية
بعد 53 عاماً، تتغيّر صورة من يحقّ له تمثيل الإنسانية في أبعد رحلاتها تغيّراً جذرياً.
اليوم: التحليق القمري (6 أبريل 2026)
الآن، بينما تُقرأ هذه السطور، تُجري مهمة أرتيميس II تحليقها القمري التاريخي. خلال نافذة الست ساعات التي بدأت في تمام الساعة 14:45 بتوقيت شرق الولايات المتحدة، يقوم الطاقم بثلاث مهام رئيسية:
- الاقتراب من سطح القمر على بُعد 4.070 ميلاً (6.550 كم)
- رصد وتصوير 30 هدفاً على السطح، بما فيها حوض أوريانتالي، وهو فوهة بعرض 600 ميل على الجانب البعيد من القمر لم يرها بشر مباشرة من قبل
- تحطيم الرقم القياسي لأبعد مسافة يقطعها إنسان في الفضاء عند الساعة 13:56 بتوقيت شرق الولايات المتحدة، متجاوزةً رقم أبوللو 13 عام 1970، غير أنّ هذه المرة بشكل مقصود ومخطط
ينبغي تذكّر أنّ رقم أبوللو 13 القياسي تحقق أثناء عودة طوارئ كارثية، إذ كاد الطاقم ألا يعود. أمّا اليوم فيُتجاوز الرقم ذاته عمداً وبتخطيط كامل، وهذا الفارق وحده يلخّص نضوج المرحلة.
الجانب الخاص من هذا العصر الجديد يمكن قراءته أيضاً عبر استحواذ SpaceX على xAI بقيمة 1.25 تريليون دولار.
لماذا هذه المرة مختلفة؟
قبل أن نسرد الأرقام، يُقال إنّ الفارق بين 1972 و2026 يتجاوز التكنولوجيا. التحوّل البنيوي بين المهمتين يظهر بوضوح حين تُرصف حقائقهما جنباً إلى جنب:
| العامل | أبوللو 17 (1972) | أرتيميس II (2026) |
|---|---|---|
| الهدف | استكشاف علمي (آخر مهمة أبوللو) | اختبار الأنظمة (بداية سلسلة أرتيميس) |
| الطاقم | 3 رجال أمريكيين | أول امرأة، وأول رائد أسود، وأول كندي |
| الدافع | سباق سياسي في زمن الحرب الباردة | قاعدة قمرية دائمة وطريق إلى المريخ |
| الهبوط على القمر | نعم | لا، إذ أرتيميس III ستهبط (الهدف 2027) |
| الخطوة التالية | أُلغي البرنامج | قاعدة قمرية، فمحطة Gateway، فالمريخ |
جبهة أخرى من موضوع تحدّي حدود الإنسان: أين يقف علم إطالة العمر فعلاً في 2026.
أربع تقنيات قمرية ستلامس حياتك اليومية
ربما لا تخطط للسفر إلى القمر، لعلّ القمر آخر ما يخطر ببالك في زحام يوم العمل، لكن يمكن القول إنّ ثمار برنامج أرتيميس ستلمس حياتك على نحو لن تتوقعه. أرى أنّ أهمّ ما يفعله البرنامج اليوم ليس الوصول إلى القمر بحدّ ذاته، بل تمويل تقنيات مدنية تتسرّب تدريجياً إلى الأرض. خذ هذه المحاور الأربعة المتشابكة: الطاقة من الجليد القمري، والاتصال الفضائي عبر Starlink، والذكاء الاصطناعي الذي يحرس الطاقم من العواصف الشمسية، وعلم المواد الذي يهبط من كبسولة أوريون إلى مصانع السيارات والطائرات. كلٌّ منها قصة منفصلة، وقد بدأت تتحوّل إلى منتج:
- الطاقة: اكتُشف جليد مائي عند القطب الجنوبي للقمر، وهذا أساسي لبناء قاعدة دائمة واستثمار احتياطيات الهيليوم-3، إذ يُعدّ وقوداً محتملاً للاندماج النووي على الأرض
- الإنترنت الفضائي: تكامل البنية التحتية بين Starlink وناسا سيغيّر الاتصال جذرياً في المناطق النائية حول العالم
- الذكاء الاصطناعي: في هذه المهمة استُخدم الذكاء الاصطناعي لأول مرة للإنذار المبكر بالعواصف الشمسية، حيث يتسارع تقاطع الفضاء والذكاء الاصطناعي
- علم المواد: تقنيات الدرع الحراري لكبسولة أوريون وسبائك الصواريخ والحماية من الإشعاع تنتقل تدريجياً إلى التطبيقات المدنية
وعلى الجانب التركي من السباق الفضائي ذاته: مهمة AYAP التركية و IAC 2026 أنطاليا.
ما التالي؟
عندما تعود أرتيميس II إلى المحيط الهادئ قرابة 10 أبريل، ستكون المهمة قد اكتملت ووضعت ناسا أول مفتاح من ثلاثة في يدها. الخطوات التالية مرسومة بدقة:
- أرتيميس III (الهدف 2027): أول امرأة وأول رائد فضاء أسود يهبطان عند القطب الجنوبي للقمر
- محطة Gateway القمرية (2028–2030): محطة فضائية دائمة في مدار القمر تربط الأرض بالقمر بالمريخ
- المريخ: الهدف النهائي لبرنامج أرتيميس، ويُتوقَّع بلوغه في منتصف ثلاثينيات القرن الحادي والعشرين
قبل 53 عاماً، غادرت الإنسانية القمر قائلةً «سنعود يوماً ما». اليوم، في السادس من أبريل 2026، جاء ذلك اليوم. وهذه المرة لا نعود لنزور، بل نعود لنبقى.
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق.