1 أبريل 2026. الليل. ملعب متواضع في بريشتينا.
الدقيقة 53. حين أرسل كيرم أكتوركوغلو الكرة إلى الشباك، تجمّد الملايين أمام شاشاتهم، ثم صرخوا، ثم تعانقوا، إذ وجد غرباء أنفسهم يتقاسمون لحظة واحدة بنفس الشعور.
أربعة وعشرون عاماً. جيل كامل نشأ دون أن يرى تركيا في كأس العالم، وفي تلك الليلة تغيّر شيء ما لديهم جميعاً.
بصراحة، قبل المباراة كان في داخلي تشاؤم هادئ: «سيحدث خطأ ما، سنودّع مبكراً مرة أخرى»، إذ يتعلّم الإنسان بعد عقود من خيبات الأمل أن يحمي نفسه. غير أنّ كرة أكتوركوغلو حين دخلت الشباك أسقطت كل تلك الدروع في لحظة واحدة.
ماذا جرى منذ عام 2002؟
هل تتذكرون عام 2002؟ اليابان وكوريا الجنوبية. حسن شاش. التصديات الأسطورية لرشتو ريتشبر. المركز الثالث. تلك البطولة حُفرت في ذاكرة جيل كامل، وظلّت مرجعاً لكل حوار عن المنتخب طوال عقدين.
ثم بدأ الانتظار الطويل. 2006 لم يحمل شيئاً. وفي 2010 و2014 و2018 و2022 توالت خيبة تلو خيبة، إذ أبدعنا أحياناً في بطولات أوروبا ووصلنا إلى ربع النهائي في يورو 2020، فيما ظلّ كأس العالم بعيد المنال دائماً.
خلال تلك السنوات الأربع والعشرين تغيّر كل شيء، إذ تبدّلت التشكيلة بالكامل، وجاء مدربون ورحلوا، وجُرّبت أنظمة عديدة. لكن شيئاً واحداً لم يتغيّر: أمل الجماهير التي تحب هذا المنتخب. تزعزع قليلاً أحياناً، لكنه لم ينطفئ أبداً.
تلك الليلة في بريشتينا
لم تكن المباراة سهلة. الفوز بهدف وحيد أمام كوسوفو والحفاظ على النتيجة، مع هاجس «ماذا لو عادلوا؟» يطاردك في كل دقيقة، يلخّص في حدّ ذاته جوهر حب كرة القدم التركية، إذ لا تستطيع مشاهدة مباراة دون أن تشعر بأن قلبك سيتوقف.
جاء هدف أكتوركوغلو في اللحظة التي كان الجميع يحتاجها تماماً. القدم اليسرى، وحسن اختيار المكان، وقوة التسديدة، كأنه ملخّص لموسمه مع غلطة سراي. حتى فيكتور أوسيمين شارك في الاحتفال تلك الليلة حين نشر صورة زميله بارداكجي وهو يحمل العلم التركي.
بمجرد انتهاء المباراة خرج الناس إلى الشوارع في كل ركن من أركان تركيا، إذ كانت أبواق السيارات لا تهدأ، والأعلام تُرفرف، وغرباء يتعانقون. من إسطنبول إلى أنقرة، ومن إزمير إلى طرابزون، في تلك الليلة شعر الجميع بنفس الشعور.
هذه الحقبة الجديدة تستحضر ذاكرة جيلية بحجم عودة أرتيميس II إلى القمر بعد 53 عاماً.
كيف غيّر نظام مونتيلا 4-2-3-1 منتخب تركيا؟
حين تسلّم مونتيلا الراية في سبتمبر 2024 كانت الأمور مرتبكة. عدنا من يورو 2024 بأمل، غير أنّ ذلك الأمل لم ينعكس على دور التصفيات، إذ بدا الدفاع مختلفاً في كل مباراة، والفريق بلا هوية واضحة. حجم التغيير الحقيقي سنقيسه في هذه البطولة.
هيكل النظام هو 4-2-3-1. حقان شالهان أوغلو في دور صانع اللعب المتأخر، وأردا غولر انتقل إلى دور رقم 10 كصانع لعب كلاسيكي (تريكارتيستا). ورغم أنه لم يجد الراحة نفسها بقميص ريال مدريد، فإن لعبه في الوسط مع المنتخب جاء متزامناً مع أكثر فترات مسيرته انسيابيةً. على الجناحين أكتوركوغلو وكنان يلدز: أحدهما جناح كلاسيكي يقطع داخل الملعب بقدمه اليسرى ويُسدّد، والآخر لاعب يوفنتوس بعمر 19 عاماً، نصف صانع لعب ونصف منهٍ.
في الدفاع، أوغورجان شاكر هو الحارس الأول دون منازع، وثنائي ديميرال-أيهان مستقر في قلب الدفاع. سجّل الفريق 16 هدفاً في 6 مباريات تصفيات، وهي إشارة هجومية إيجابية، غير أنه استقبل في المقابل 7 أهداف، إذ لم تُحلّ بعدُ مشكلة فقدان الكرة تحت ضغط الخصوم الأقوياء بدنياً. وكانت آخر 40 دقيقة في بريشتينا اختبار ذلك تحديداً، أي كيف تحتفظ بالكرة تحت الضغط، وكيف تكسر الضغط حين يُمارَس عليك.
ما رأيناه تلك الليلة كان نظاماً يحافظ على تماسكه حتى في اللحظات الصعبة. كوسوفو لم تلعب بشكل سيء؛ كان هناك ضغط وخشونة وأفضلية أرض الملعب. اللعب طوال 40 دقيقة بعد هدف أكتوركوغلو وفق منطق «نفوز ونعود إلى البيت» هو في حدّ ذاته دليل نضج. يبقى السؤال الوحيد: إلى متى يصمد النظام نفسه أمام منتخبات كالولايات المتحدة أو أستراليا، أي فرق تترك مساحات أقل وتنتقل بسرعة أكبر؟
هل تستطيع تركيا الخروج من المجموعة D؟
| المنتخب | نقاط القوة | المخاطر |
|---|---|---|
| 🇺🇸 الولايات المتحدة (مستضيفة) | بوليسيتش، ماكيني، يونس موساه؛ اللعب على أرضهم | الخصم الأصعب، إذ ستكون الملاعب مكتظة بالجماهير |
| 🇵🇾 باراغواي | الروح القتالية لأمريكا الجنوبية والدفاع الصلب | لا يمكن الاستهانة بها أبداً؛ مباراة مفصلية |
| 🇦🇺 أستراليا | وصلت ربع نهائي 2022؛ قدرة عالية على صنع المفاجآت | منظمة تكتيكياً وقوية بدنياً |
| 🇹🇷 تركيا | أردا غولر، أكتوركوغلو، كنان يلدز؛ نظام مونتيلا | قلة الخبرة على المسرح الكبير وضغط المناسبة |
جدول المباريات (دور المجموعات):
- 13 يونيو: أستراليا ضد تركيا في ملعب BC Place، فانكوفر
- 19 يونيو: تركيا ضد باراغواي في ملعب Levi's Stadium، سانتا كلارا
- 25 يونيو: تركيا ضد الولايات المتحدة في ملعب SoFi Stadium، لوس أنجلوس
هل التأهل من المجموعة ممكن؟ بالتأكيد ممكن. هل هو مضمون؟ لا. لكن إذا فزنا بمباراة باراغواي تحديداً فإن الحسابات ستكون في صالحنا.
استضافة الولايات المتحدة تجعل هذه البطولة مختلفة عن النموذج التقليدي، إذ توزّعت المباريات على 16 مدينة، ما يعني عبئاً ثقيلاً من السفر للاعبين (التحليق من فانكوفر إلى لوس أنجلوس، وأجواء متغيرة باستمرار تحت أقدامهم، وفروق توقيت). وقد تكون هذه أصعب نقطة للفرق الأوروبية. ميزة تركيا أنّ تشكيلتها معتادة على المسافات الأوروبية القصيرة، وإعدادها البدني على مستوى مختلف تماماً عن 2002. أمّا عيبها فهو قلة اللاعبين الذين خبروا الرحلات العابرة للقارات. في هذه البطولة قد تحدّد اللوجستيات نصف ما تحدّده التكتيكات.
يمكن تتبّع جانب آخر من عودة تركيا إلى المسرح الدولي عبر مهمة AYAP التركية و IAC 2026 أنطاليا.
ساعات على شاشات نفدت فيها التذاكر: ماذا عاش الأتراك في أمريكا؟
بمجرد الإعلان عن مجموعة تركيا هرعت الجالية التركية في الولايات المتحدة والمشجعون من كل مكان إلى نظام حجز التذاكر، وذلك النظام تعثّر، إذ توالت ساعات الانتظار في الطوابير الإلكترونية، ورسائل «نفدت التذاكر» في اللحظة الأخيرة، وأشخاص يفركون أعينهم أمام الشاشات بلا جدوى، فيما تتالت المنشورات على وسائل التواصل الاجتماعي واحدة تلو الأخرى.
وهذا مؤشر على شيء جميل، إذ حتى بعد 24 عاماً لا يزال هذا الطلب الهائل موجوداً. الجالية التركية في أمريكا الشمالية ليست بالحجم الذي يمكن تجاهله، وسيكون هناك حضور تركي كبير في المدرجات بلا شك.
إلى أي مدى سيرفع أردا غولر فرص تركيا في كأس العالم؟
لا يمكن تجاوز هذا الموضوع. إذا كان أردا غولر بصحة جيدة وفي قمة لياقته فسيخوض كأس العالم هذا الصيف. مجرد كتابة هذه الجملة يبعث على الحماسة، إذ رأينا ما يستطيع فعله بقميص ريال مدريد على أكبر المسارح. مشاهدته في كأس العالم وحدها سبب كافٍ لكل سنوات الانتظار.
«أربعة وعشرون عاماً ليست انتظاراً فحسب، بل دَيْن يُورَّث من جيل إلى آخر. آباؤنا حدّثونا عن 2002؛ ماذا سنروي نحن لأبنائنا، سنتعلّم ذلك في يونيو.»
الأشهر المقبلة في تركيا لن تتشكّل بكرة القدم فقط، بل أيضاً بتحولات هيكلية مثل إلزامية التحقق من الهوية في وسائل التواصل.
ماذا نتوقع؟
بواقعية: التأهل من المجموعة وحده سيكون إنجازاً كبيراً في هذه البطولة. كان عام 2002 معجزة، إذ كانت لذلك الفريق كيمياء خاصة والتقط لحظة نادرة. أمّا هذا الفريق فيحمل مواهب مختلفة، لكنه لم يبلغ بعد ذلك المستوى من الخبرة.
ومع ذلك أعلم أن الوصول إلى هذا المسرح بعد 24 عاماً هو إنجاز في حدّ ذاته. ولكلّ من أحب هذا المنتخب ولكلّ من انتظر طوال تلك السنوات، هذه اللحظة وحدها كانت تستحق كل شيء.
أعتقد ما يلي: الفائز الحقيقي في هذه البطولة ليس النتيجة، بل الإحساس بالحضور. طوال 24 عاماً كان هناك شيء ناقص دائماً، لأنّنا لم نكن على المسرح. في يونيو سنكون هناك. سنصرخ شيئاً من المدرجات، وسنتبادل ابتسامات أمام الشاشات في البيوت، وذات يوم سنروي هذه اللحظات لأبنائنا. سيكشف الزمن النتيجة، لكن هذه اللحظة قد فُزنا بها بالفعل.
في 13 يونيو، في فانكوفر، أمام أستراليا، سنعرف أين نقف فعلاً. تسعون دقيقة كافية لتقلب القصة، أو لتبدأها من جديد. وفي تلك المدرجات، سيُسمع صوت الأتراك مرة أخرى بعد 24 عاماً.
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق.