في صباح 5 مايو 2026، وداخل القاعة الرئيسية بمركز إسطنبول للمعارض، رُفع غطاء أسود. وما ظهر تحته كان رمزاً لأعلى مرتبة في رحلة الصناعة الدفاعية التركية على مدى 23 عاماً: يلدريمهان، أول صاروخ باليستي عابر للقارات (ICBM) لتركيا، بمدى 6.000 كيلومتر، وسرعة ماخ 25، ووقود رباعي أكسيد النيتروجين السائل. وعلى جانب من جسمه الأبيض حُفرت طغراء السلطان يلدريم بايزيد، وقرب المخروط الأمامي وُضع توقيع مصطفى كمال أتاتورك.
كان هذا صباح افتتاح معرض ساها 2026 الدولي للصناعات الدفاعية والفضائية والجوية، الذي يستمر حتى 9 مايو، بمشاركة أكثر من 1.700 شركة من أكثر من 120 دولة، وأكثر من 30 ألف محترف صناعي، و161 وفداً رسمياً، وأكثر من 25 وزيراً أجنبياً، على مساحة 400 ألف متر مربع. وقد افتُتحت هذه النسخة الخامسة من الحدث الذي تنظمه ساها إسطنبول، وهي أكبر تجمع للصناعة الدفاعية في أوروبا، بهدف 8 مليارات دولار من عقود التصدير الجديدة.
حين تدخل ساها 2026، يطاردك سؤال واحد: «كيف وصلنا إلى هنا؟». فقد ارتفعت صادرات تركيا الدفاعية من 248 مليون دولار في 2002 إلى 10,54 مليار دولار في 2025 (سلع 9.87 مليار + خدمات 184 مليون)، وهذا أسرع نمو في صادرات الدفاع في العالم خلال العقد الماضي. في هذا المقال سأستعرض الستة الأكثر استراتيجية من بين 203 إطلاق منتج جديد في المعرض: يلدريمهان، وثلاثي بايكار الجديد، وSTM كوزغون، وAPU-60 لقاآن، ومفاجآت AR-GE وزارة الدفاع، والتحول البنيوي وراء عتبة 10,54 مليار دولار.
1. ساها 2026: 120 دولة، و1.700 شركة، و400 ألف متر مربع تشكّل أرض عرض تركيا
حين بدأت ساها إكسبو في 2018 كانت تضم 170 شركة محلية على 5.000 متر مربع فقط. وبعد ثماني سنوات، نمت إلى عملاق يمتد على 400 ألف متر مربع، ويتوقع أن يستقبل أكثر من 200 ألف زائر. وتضمّ منظومة ساها إسطنبول اليوم أكثر من 1.300 شركة عضو موزّعة على 49 محافظة، وهو ما يجعلها أكبر تجمع للصناعة الدفاعية في أوروبا.
أرقام نسخة 2026 لافتة:
- 1.700+ شركة عارضة (منها 263 شركة دولية، من 46 دولة)
- 13 دولة فتحت أجنحة وطنية: الصين الأكبر بـ68 شركة، تليها أوكرانيا (18)، وأذربيجان (12)، والإمارات (9)، وسلوفاكيا (9)، وألمانيا (9)، وبريطانيا (7)، والسودان (6)، وسلوفينيا (6)، وإيطاليا (6)، والولايات المتحدة (5)، والتشيك (5)، وكندا (4)
- 161 وفداً رسمياً، و442 مندوباً من 71 دولة، إلى جانب أكثر من 25 وزيراً أجنبياً
- أكثر من 30 ألف اجتماع B2B/G2B/G2G مخطط له
- 164 حفل توقيع مستهدف
- 203 إطلاق منتج جديد
وقد وضع رئيس مجلس إدارة ساها إسطنبول هالوك بيرقدار هدفاً واضحاً في الافتتاح: انطلاقاً من 6,2 مليار دولار في 2024، تستهدف ساها 2026 الوصول إلى 8 مليارات دولار على الأقل من قيمة عقود التصدير. وعلى نطاق أوسع، يبلغ الهدف الإجمالي لصادرات الدفاع التركية في 2026 13 مليار دولار.
2. يلدريمهان: قفزة تركيا الاستراتيجية على 6.000 كم (واقع ICBM)
حين رُفع الستار الأسود في القاعة الرئيسية، تجمّد الجميع للحظة. كان يلدريمهان أكبر مفاجأة في المعرض، والعنوان الأكثر مناقشة في وسائل الإعلام العالمية. حتى تلك اللحظة كانت تركيا تملك عائلة بورا وطيفون من روكتسان في نطاق 300-2.500 كم. أمّا مع يلدريمهان فقد قفزت تركيا مباشرة إلى الفئة العابرة للقارات.
المواصفات التقنية:
| المواصفة | يلدريمهان |
|---|---|
| الفئة | ICBM (صاروخ باليستي عابر للقارات) |
| المدى | 6.000 كم |
| السرعة | ماخ 9 إلى ماخ 25 (فرط صوتي) |
| الوقود | رباعي أكسيد النيتروجين السائل (أول صاروخ بوقود سائل لتركيا) |
| المحرك | 4 محركات صاروخية للدفع (المرحلة الأولى) |
| الحمولة | 3.000 كغ |
| المطور | مركز AR-GE وزارة الدفاع + روكتسان |
| المنصة | DERMAN Heavy 8x8 (منصة أرضية متحركة) |
| الجغرافية المستهدفة | كل أوروبا، ومعظم روسيا، وأفريقيا، والهند، وأجزاء من داخل الصين |
قال وزير الدفاع ياشار غولر في المعرض: «لدينا يلدريمهان، أول صاروخ في بلدنا يعمل بالوقود الصاروخي السائل، قادر على الإبحار بسرعة فرط صوتية، وأطول مدى صنعناه حتى الآن. سنعرض هذه بفخر كبير لكم».
قراءة استراتيجية: تركيا عضو في نظام مراقبة تكنولوجيا الصواريخ (MTCR)، وموقّعة على معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية (NPT)، وقد طُوّرت هذه الأنظمة ضمن إطار الردع التقليدي، دون أي انتهاكات للمعاهدات الدولية. وفي حين يبقى نظراء أوروبيون مثل فرنسا وبريطانيا في نطاق «الضربة العميقة» التقليدية بين 1.000 و2.000 كم، فإن يلدريمهان يضع تركيا في فئة الردع العابر للقارات.
3. ثلاثي بايكار الجديد: K2 وسيفريسينك ومزراق، وعقيدة «توران» للأسراب
هل يمكن لـ18 مركبة جوية أن تطير دون GPS وتُنفّذ تشكيلاً قتالياً منسّقاً في الوقت ذاته؟ هذا بالضبط ما عرضته بايكار يوم 17 أبريل 2026 في مركز كيشان للتدريب الجوي والاختبار. فقد كشفت الشركة في ساها 2026 عن ثلاث منصات جديدة: طائرة K2 الانتحارية المسيرة، وذخيرة سيفريسينك المتسكعة، وذخيرة مزراق المتسكعة الذكية. ووُصفت القدرات المعروضة في تلك التجربة في وسائل الإعلام العالمية بأنها «المعيار الجديد لعقيدة الأسراب».
مقارنة عائلة بايكار للأسراب:
| المنصة | المدى | الحمولة | سرب AI | الإطلاق |
|---|---|---|---|---|
| K2 طائرة انتحارية | غير معلن | 200+ كغ | ✓ (BG160 EO) | قائم على المدرج |
| سيفريسينك | 1.000+ كم | غير معلن | ✓ (مستقل عن GNSS) | قائم على المدرج |
| مزراق | 1.000+ كم | 40+ كغ | ✓ (ذاتي) | منصات متعددة |
في تلك التجربة، نفّذت 5 طائرات K2 و10 سيفريسينك وواحدة من TB2 وأخرى من TB3 وثالثة من AKINCI، أي 18 مركبة إجمالاً، رحلةً دوريةً ذاتية في تشكيلات «الرف الأيمن» و«الخط» و«V» و«توران». والميزة التقنية الرئيسية هنا أنّ جميع المنصات تستخدم الملاحة البصرية المدعومة بالذكاء الاصطناعي لتحديد الموقع دون إشارات GNSS (GPS)، إذ تواصل العمل تحت التشويش في بيئات الحرب الإلكترونية.
رقم تصدير بايكار في 2025 بلغ 2,2 مليار دولار، بمبيعات إلى 38 دولة، فيما تأتي 90% من إيرادات الشركة من الخارج، ما يجعلها أكبر مصدّر للطائرات المسيرة في العالم انطلاقاً من تركيا. ويهدف هذا الثلاثي الجديد إلى رفع تلك المكانة مستوى آخر.
4. STM كوزغون: 1.000 كم وملاحة مقاومة للحرب الإلكترونية، ما الذي يميّزها؟
أضافت STM (هندسة تكنولوجيا الدفاع) حلقةً جديدة إلى سلسلتها من الطائرات الانتحارية المسيرة، التي انطلقت مع KARGU في 2018، وهي كوزغون. وقد كُشف عن المنصة في اليوم الأول من المعرض، بتصميم جناح دلتا، وتمتاز بهذه المواصفات:
- مدى طيران 1.000+ كم
- تحمّل 6 ساعات
- وزن إقلاع 200 كغ
- ارتفاع المهمة 3.500 م
- RATO (إقلاع بمساعدة الصاروخ)، أي دون حاجة لبنية تحتية للمدرج
- برمجيات محلية مقاومة للحرب الإلكترونية
- غطس دقيق بمساعدة GNSS، مع قدرة على الطيران منخفض الارتفاع
وأكّد المدير العام لـ STM أوزغور غولرويوز: «بقدرة مدى تتجاوز 1.000 كيلومتر ورأس حربي عالي التأثير، سيكون هذا النظام قوياً بما يكفي لتحييد الأهداف الحرجة بشكل ذاتي، من مراكز القيادة إلى عناصر الدفاع الجوي والرادار».
والنقطة الأهم لمن يتابع هندسة البرمجيات هي أنّ برمجيات الملاحة المحلية لـ STM تؤدي تحديد الموقع البصري حتى تحت تشويش GNSS. وهذا يتجاوز «تصدير الأجهزة» التقليدي، إذ يعني أنّ الملكية الفكرية للبرمجيات التركية تتنافس أيضاً على المستوى الدولي.
5. APU-60 لقاآن: وحدة طاقة مساعدة بوزن 100 كغ «أول في العالم»
قطعةُ بنيةٍ تحتية حرجة للطائرة المقاتلة المحلية من الجيل الخامس قاآن ظهرت في ساها 2026، وهي APU-60 من TRMotor. ويقول مدير التصميم وتطوير الأعمال أوزهان أوكسوز:
«APU-60، بوزن 100 كغ، وطول 1 متر، والهواء المضغوط الذي يوفّره، من بين المنتجات الأولى في العالم. صمّمناه كنظام يمكن أن يبدأ محرك قاآن من المحاولة الأولى في أي ظرف. ولتمكين التفعيل السريع، صمّمنا نظام علبة تروس يدور بسرعة 80.000 دورة في الدقيقة. منتجنا جاهز لإطلاق رحلة قاآن هذا العام».
مبدأ عمل APU-60: قبل بدء المحرك الرئيسي (TF35000)، يوفّر الهواء المضغوط والطاقة اللازمة لتفعيل أنظمة الإلكترونيات الجوية والإلكترونيات وتكييف الهواء في الطائرة، ما يحرّر الطائرة من الاعتماد على المعدات الأرضية الخارجية. وتُعدّ 40.000 دورة في الدقيقة سرعةً رئيسية، فيما تتطلّب المراحل الحرجة نظام علبة تروس بـ80.000 دورة في الدقيقة.
الصورة الأكبر أنّ البنية التحتية للاختبار في TRMotor المنتشرة في أنقرة وإسكي شهير وكوجايلي، بالتعاون بين الجامعة والصناعة (مركز التميز للأنظمة على ارتفاعات عالية في جامعة غبزه التقنية، ومختبرات الاحتراق في METU)، قد وصلت إلى شهادة AS 9100D + ISO 9001:2015 الدولية.
6. مفاجآت AR-GE وزارة الدفاع: PNR-53 وأوتشان وأونور، الثورة غير المرئية
ثلاثة منتجات أخرى بقيت في ظل يلدريمهان، لكنها مهمة بشكل متساوٍ من الناحية الهندسية:
- محرك طائرة «أوتشان» التوربوفان: محاولة تركيا للتوربوفان المحلي (AR-GE وزارة الدفاع)
- محرك مروحية «أونور» التوربوشافت: مشروع محرك المروحية المحلي
- بندقية القناصة PNR-53: مدى 2.100 متر، الأخف في فئتها على مستوى العالم
يُضاف إلى ذلك مسدس SAPAN المضاد للطائرات المسيرة من Tulpar للفضاء والطيران والدفاع (650 غ، وسرعة تشغيلية 8 ثوانٍ، ومدى فعّال يتراوح بين 3 و12 م)، ونظام PERTAKSİ من Ocean Voyager للأنظمة الإلكترونية (تتبع الأفراد على متن السفينة في الوقت الحقيقي). وهذه منتجات تظلّلها العناوين الكبيرة، لكنها تحمل تأثيراً تشغيلياً عالياً.
7. كم تبلغ صادرات الصناعة الدفاعية التركية؟ 10,54 مليار دولار ورحلة 23 عاماً (2002 إلى 2025)
لفهم أين تقف الصناعة الدفاعية التركية، لا بدّ من قراءة الصورة على مدى 23 عاماً. ويُلخّص تصريح رئيس SSB هالوك غورغون في يناير 2026 هذه الصورة: «في 2025، وصلت صادراتنا إلى 9,87 مليار دولار في السلع، يُضاف إليها 184 مليون دولار في الخدمات، أي 10,054 مليار دولار إجمالاً. وقد ارتفعت حصة الدفاع والفضاء الجوي من إجمالي الصادرات من 1,7% في 2022 إلى 3,7% اليوم».
| السنة | الصادرات | العقود الجديدة | حصة الصادرات الإجمالية |
|---|---|---|---|
| 2002 | 248 مليون دولار | غير متوفر | غير متوفر |
| 2022 | 4,4 مليار دولار | غير متوفر | 1,7% |
| 2024 | 7,1 مليار دولار | 10 مليار دولار | ~2,5% |
| 2025 | 10,54 مليار دولار (+48%) | 17,8 مليار دولار (+78%) | 3,7% |
| 2026 الأشهر الأربعة الأولى | 2,87 مليار دولار (+28%) | غير متوفر | غير متوفر |
| هدف 2026 | 13 مليار دولار | غير متوفر | غير متوفر |
تفصيل التوزيع: في 2025 بلغت صادرات الصواريخ والذخائر الذكية 3,7 مليار دولار، فيما بلغت صادرات الطائرات المسيرة 2,1 مليار دولار. أمّا التوزيع السوقي فيتصدّره الاتحاد الأوروبي والناتو والولايات المتحدة بنسبة 56%، ومن بين أكبر 10 أسواق هناك 4 أوروبية وواحدة أمريكية، تليها أسواق آسيا والمحيط الهادئ والشرق الأوسط وأفريقيا. كذلك وقّعت ASELSAN 272 عقد تصدير في 2025، بإجمالي 2,07 مليار دولار، شملت مبيعات إلى 58 دولة.
8. 6 دروس من ساها 2026
إليك الدروس الستة التي تستخلصها قراءة ساها 2026:
- الأجهزة وحدها لم تعد كافية، فالملكية الفكرية للبرمجيات مهمة بالتساوي. برمجيات الملاحة المستقلة عن GNSS في STM كوزغون، وتنسيق سرب بايكار المدعوم بالذكاء الاصطناعي، ستعيد تشكيل القيمة المعروضة لهندسة البرمجيات التركية.
- خطاب «محلي ووطني» نضج، والشهادة وانضباط العمليات إلى الواجهة. شهادة AS 9100D + ISO 9001:2015 لـ TRMotor، والتعاون بين الجامعة والصناعة، سيؤثر هذا أيضاً على عمليات هندسة البرمجيات في العقد القادم.
- عقيدة الأسراب تعيد تعريف التخطيط العملياتي العسكري. تشكيل V/توران بـ18 مركبة قد يصبح غداً بنداً مفروغاً منه في أي عرض شركة تركية يقدّم «قدرة سرب».
- النمو المدفوع بالتصدير = باب إيرادات لتصدير البرمجيات والأجهزة. 10,54 مليار دولار يمحو صورة قديمة، فالصناعة الدفاعية لم تعد مجرد «سوق محلية»، بل محرك تصدير يساهم مباشرة في الناتج المحلي الإجمالي.
- الاستقلالية الاستراتيجية = الاستقلالية التكنولوجية. يلدريمهان يوسّع مساحة المناورة. وهدف قاآن في 2028 يقع على المعادلة نفسها.
- تجمّع المواهب هو أكبر ميزة تنافسية. منظومة ساها مع TEKNOFEST 2026 في شانلي أورفا (30 سبتمبر إلى 4 أكتوبر) صارت برنامجاً نووياً مهنياً يجذب الشباب نحو تكنولوجيا الدفاع، وتلك ربما تكون أهم نتيجة طويلة الأمد لهذا العقد.
قطاع كان عند 248 مليون دولار في 2002 وصل إلى 10,54 مليار دولار في 2025. وتوقيع أتاتورك تحت طغراء يلدريم بايزيد رمزيةٌ ليست صدفة. انضباط الماضي، ورؤية الجمهورية، وهندسة اليوم: جمعت ساها 2026 الطبقات الثلاث في حظيرة واحدة، وعلى ذلك التوقيع المزدوج تنغلق دائرة 23 عاماً.
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق.